نظرا لانشغالي بأولويات حياتي، ورغبتي في التفرغ للأهم منها، فإني أعتذر عن الاستمرار في الكتابة في المدونة، شاكرة كل من ساهم وشارك وقرأ.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
‏إظهار الرسائل ذات التسميات تأملات في التفسير. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات تأملات في التفسير. إظهار كافة الرسائل

الاثنين

لكل وجهة هو مولّيها - ولكل قوم هاد


‏​{ولكلٍ وجهةٌ هو مولّيها، فاستبقوا الخيرات، أينما تكونوا يأت بكم اللّه جميعا}

قد جعل الله لكل انسان اهتمام، وتوجه، ونقاط قوة..فلنبحث ولنتعرّف على وجهتنا، ثم لنتسابق إلى الخيرات، كل منا من وجهته، فإن المرجع إليه، مهما طال بنا الزمان أو قصُر، وأينما توجهنا بأنفسنا.

كما أن الغفلة من شأن البشر، ومن شأنهم الهروب من الصعوبة إلى اليسر، ومن رعب المسئولية والتغيير إلى أمن المألوف والمعتاد...

منا من يهرب من مواجهة حتمية التغيير إلى اللهو، أو المحرم، أو حتى الفراغ!

منا من يهرب من الحقيقة إلى فلسفتها، وتنظيرها، والقراءة عنها...

ثم منا من يهرب من الأفضل الى الفاضل ومن الواجب إلى المندوب... كمن يتعجّل في صلاته ليحضر درسا يرجو التقرّب فيه إلى الله، أو من تبرر لنفسها إهمالها في أورادها وأذكارها بحجة الدعوة إلى الله، أو كالأم التي تتشاغل عن طفلتها التي تطلب منها قضاء بعض الوقت معها بحجة أنها مشغولة بشراء الملابس لها، أو بالسعي لتأثيث غرفتها... 

فهي مشغولة بها عنها!!

وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ألا أخبركم بخير أعمالكم وأزكاها عند مليككم، وأرفعها في درجاتكم وخير لكم من إنفاق الذهب والفضة، ومن أن تلقوا عدوكم فتضربوا أعناقهم ويضربوا أعناقكم؟ قالوا: بلى يارسول الله قال: ( ذكر الله )"

 إن سعيَنا في هذه الدنيا شتى... ولكن مهما طال السعي، لا بد من وصول، ومهما طالت الغفلة لا بد من يقظة، ولكل غافل يقظته.... {ولكلّ قوم هاد}

لكلٍّ منا ذلك الهاد، أو الحَدَث، أو الشخص، أو الموقف الذي - إن أحسن فهمه واستغلاله - تمكن  بواسطته أن يوقف مسار غفلته.. ويوقظ وعيه ويجدد همته، ويصحح مساره قبل موتته... 

وإلا فكان كمن قال عنهم الأثر:" الناس نيام... فإذا ماتوا انتبهوا."
و 
"ما عمل ابن آدم عملا إلا لقي الله تعالى وعليه رداء عمله"
ثم
"يُحشر المرء على مات عليه."



الجمعة

شعراويات: الحواميم

الحواميم السبعة كلها تتصل بالقرآن، حيث يذكر الكتاب المبين مباشرة بعد "حم".ثم تأتي بعدها آيات متفاوتة تدل أنه "تنزيل من الرحمن الرحيم".
فكأن في هذه الحروف المقطعة أدلة على أن هذا الكتاب هو كلام الله.
الدين مبني على الإيمان بالغيب، فالمشهود لا يقال فيه كلمة إيمان، انما يطلب الإيمان في أمر غيبي،إذ ليس مع العين أين،
فالله تعالى-من خلال هذه الحروف المقطعة، وبحثنا وما يظهر لنا فيها-
يستديم إيماننا بالغيب ليصاحب به إسلامنا.
ومن غرائب ومعجزات الحروف المقطعة المذكورة الآتي:
1) الأحرف المقطعة المذكورة في الكتاب أكثرها اجتمعت على 5، والحكمة في ذلك أن منتهى الكلمة في اللغة العربية إن تجردت من حروف الزيادة هو 5.

2) للحروف أسماء ولها مسميات،الأمي والمتعلم يشتركان في نطق المسميات، بأن يقولوا مثلا كلمة "كتب" يعنون بها الكتابة، وفقط المتعلم يقدر على أن يتهجى حروف الكلمة ويعرف أسماء حروفها (الكاف والتاء والباء مثلا لمعنى كتب).
والحق لما قال أنه بعث النبي الأمي ثم جعله ينطق بألف ولام وميم وهي هجائيات لا يعرفها إلا المتعلم، فالأمي لا يعرف اسم الحرف ولا رسمه، فهذا دليل على صدق هذا الكتاب وصدق النبوة.
-
3) حروف الهجاء هي 14، من تأمل في المأخوذ منها للأحرف المقطعة في القرآن؛ يجد أنه من حروف الهجاء التسعة الاولى اخذ حرفين هما الالف والحاء وترك 7، أما من الحروف التسعة الأخيرة أخذ 7 وترك 2(ترك الواو والفاء). العشرة الباقية أخذ منها غير المنقوط وترك المنقوط. رغم أن النقط لم يظهر إلا بعد أكثر من قرن!
إذن هي هندسة مقصودة لغاية مقصودة. فذلك المشهود لك من الأدلة، دليل على وجوب الإيمان بما يغيب عنك.
[مدونة تأملات] tasbeeh33.blogspot.com

الأربعاء

حرمات الله

يقول الله تعالى:{ومن يعظم حرمات الله فهو خير له عند ربه}
الحرمات هي تعظيم كل ما يتصل أو يتعلق بالله:بيت الله،كتابه،أوامره،نواهيه،شعائره،أولياءه، وكل ما عظمه الله.
ومن استهان بحرمات الله، هان على الله، وسلط عليه أعداءه.

تفكّر في قوله تعالى:(ولنبلونكم بشيء من الخوف والجوع..)

كنت اتفكر في قوله تعالى:
 وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ ۗ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ (155)
  الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ (156)
 أُولَٰئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ ۖ وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ (157)
 
كل منا قد يبتلى بواحدة أو أثنتين أو أكثر من هذة البلاءات..
فالخوف قد يكون من انسان أو موقف او قد يخاف الانسان من نفسه وأحواله وتقلباته!!  فالخوف هنا خوف عام يشمل جميع أنواعه..
 
وكذلك الجوع ليس جوع الجسد فقط... هناك الجوع العاطفي،ن جوع  الروح وجوع القلب، وكل حاجة يشعر بها الإنسان ويتضور جوعا لها!
 
ونقص الأموال والأنفس والثمرات قد يعني فقدانها بالكلية، وقد يكون بمعنى نقص فيها، فلا تتكامل عندك، فمثلا إنك إن رزقت بمال قد لاتتم لك النعمة كاملة لابد أن ينقصها شيء..تعب في التحصيل، مصروفات تستنفذ المال وهكذا..
وقيل النعمة لو تمت لذهبت! فالنقصان قد يكون سبب في دوامها عندك!
 
ومن لطف الله أن قال"من" أي ليس كلها..فعلى المؤمن الصبر، والاسترجاع (إنا لله وإنا إليه راجعون)، وله البشارة, فالله جل في علاه يصلّي عليه، ويشمله برحمته، ويبشره بالهداية دنيا وآخرة.
 
 وهذة البشارة وعد من الله أنه سبحانه كفيل أن يأمنك من خوفك ويسد جوعك ويعوضك نقصك..!

الاثنين

فخلف من بعدهم خلف

وصلتني رسالة من أخت في تأمل لها في قوله تعالى:
 
فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيّاً * إلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلا يُظْلَمُونَ شَيْئاً (59-60)
(سورة مريم)
 
تقول: "سبحان الله، أساس الغي والضياع والخسار يوم القيامة هو التقصير في الصلاة واتباع الشهوات، بل إن أصل التقصير في الصلاة نفسها هو في ترك النفس على ما تشتهي وعدم إرغامها وتعويدها الجد والعمل، والحياة الرغدة تساعد في ذلك، وأنه لا بد من بعض الحياة القاسية والعمل لكسب العيش وتحديد الاولويات حتى تعتاد النفس الجد وتترك الكسل وإلا هلكت."
 
فتذكرت قوله صلى الله عليه وسلم:(والله ما الفقر أخشى عليكم، ولكني أخشى أن تُبسط عليكم الدنيا، كما بُسِطت على مَن كان من قبلكم فتنافسوها كما تنافسوها، وتهلككم كما أهلكتهم!)
وتذكرت درسا حضرته منذ يومين تحكي صاحبته عن أهل اليمن، وتعرض أحوالهم من الفقر والفاقة، وكيف أنه رغم تلك الظروف القاسية إلا أن الإيمان يعمر قلوبهم، والعجز عن وسائل اللهو وانعدامها وجّه شبابهم نحو كتاب الله حفظا وتعلما وتعليما.
 
ثم نظرت في تفسير الآية فوجدت من أقوال الصحابة والتابعين ما يلي:
قيل لابن مسعود: إن اللّه يكثر ذكر الصلاة في القرآن: {الذين هم عن صلاتهم ساهون}، و{على صلاتهم دائمون}، و{على صلاتهم يحافظون}، فقال ابن مسعود:  أي يحافظون على مواقيتها، قالوا: ما كنا نرى ذلك إلا على الترك (أي كنا نظن أن المقصود هو ترك الصلاة وليس إضاعتها وإهمال أداءها في وقتها)، فقال: ذلك الكفر!(أي أن تركها بالكلية هو الكفر!).
 
 وقال مسروق: لا يحافظ أحد على الصلوات الخمس فيكتب من الغافلين، وفي إفراطهن الهلكة؛ وإفراطهن هو إضاعتهن عن وقتهن.
 
وقال كعب الأحبار: واللّه إني لأجد صفة المنافقين في كتاب اللّه عزَّ وجلَّ: شرَّابين للقهوات، ترَّاكين للصلوات، لعَّابين بالكعبات، رقَّادين على العتمات، مفرطين في الغدوات، تراكين للجماعات، قال، ثم تلا هذه الآية: {فخلف من بعدهم خلف أضاعوا الصلوات واتبعوا الشهوات فسوف يلقون غيا}
وقد ذكرنا الله تعالى في أكثر من موضع في القرآن، لعل أظهرها قوله تعالى: {ألهاكم التكاثر، حتى زرتم المقابر} فإن طريق اتباع الشهوات لا نهاية له، والنفس تظل تطلب التكاثر والتجديد والتنويع والتغيير من أسباب الدنيا، حتى يباغتها الموت، وتدخل القبر، ويظهر لها الحق، ولا تنفعها الحسرة ولا الندم.
 
لكنه - سبحانه - كريم ولطيف ورفيق بعباده، يعلم عجزهم وضعفهم، فيعاملهم بالترغيب بعد الترهيب، ولا يقطع عنهم باب الأمل، ولا يأيسهم من التوبة وحسن العمل، فيتبع الآية مباشرة بقوله:
{إلا من تاب وآمن وعمل صالحا} أي إلا من رجع عن إضاعة الصلوات واتباع الشهوات، فإن اللّه يقبل توبته ويحسن عاقبته ويجعله من ورثة جنة النعيم، ولهذا قال: {فأولئك يدخلون الجنة ولا يظلمون شيئا} ذلك لأنَّ التوبة تَجُبُّ ما قبلها. وفي الحديث:(التائب من الذنب كمن لا ذنب له).
 
جزى الله أخيتي على خاطرتها التي فتحت لي باب بحث وفهم لكتاب الله، وللطبيعة البشرية.
وليس لنا في خلفنا وذريتنا إلا الدعاء تأسيا بسيدنا إبراهيم عليه السلام:
 رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلَاةِ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي ۚ رَبَّنَا وَتَقَبَّلْ دُعَاءِ. رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسَابُ

الأربعاء

اهدنا الصراط المستقيم

اليوم استيقظ فكري على معنى أعمق لما أتلو من الفاتحة في صلاتي.
كنت دوما أتساءل في نفسي لم أراد الله تعالى مني الطلب بصيغة الجماعة في أمر خصوصي بيني وبين وربي كالصلاة؟ علمت أن الحكمة في ذلك أنه تعالى يعلمنا روح الجماعة وأهمية المجتمع المسلم..ولا شك أن الأمر واضح..لكني -من خلال سفري- أشعر أن الأمر اتضح لي أكثر. تبين لي أني حين أطلب من ربي الصراط المستقيم بصيغة الجمع فأنا -في الحقيقة - إنما أطلب لنفسي!!
من يزر بلاد الغرب-ولو لفترة قصيرة- يجد من الصعوبة على نفسه الاحتفاظ بكل مبادئه.. بل يضطر ليجامل هناك ويساير هناك، ويتأثر بمحيطه وينسجم مع الجو السائد. ناهيك عمن يزورها مع أسرته وأبناءه... حيث يرتخي حبل الانضباط، وتتغير نفسيات الشباب وتتأثر بما يظهر حولهم من حريات ظاهرها لنا الرحمة وباطنها من قبلهم العذاب والشقاء..
فقلت في نفسي-ومن أعماق أعماق قلبي- ياااا رب اهدنا الصراط المستقيم... رب اجعلني في بيئة هداية إلى صراطك المستقيم ولا تكلني إلى نفسي طرفة عين ولا إلى بيئة فاسدة ..فلست أقوى على الهداية بمفردي... وما أنا إلا جزء من محيطي..
ومن إعجازه -جل وعز- أنه فصل في وصف الصراط الذي أمرنا بالتعوذ منه...صراط غير المغضوب عليهم..ولا الضالين...وكأنه يخبرنا بحالنا الذي سنؤول إليه مع المغضوب عليهم والضالين..حتى لو ثقبوا أنوفهم وبطونهم وشفهاههم لثقبناها تأسيا بهم...حتى لو لبسوا المرقع لتبعناهم في ذلك..حتى لو دخلوا جحر ضب لدخلناه!!
اللهم...اهدنا الصراط المستقيم.

الأحد

لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ

كنت أستمع لمحاضرة للدكتور راتب النابلسي وإذ به يروي حديث عن الرسول صلى الله عليه وسلم أنه مر على قوم مجتمعون على رجل يحدثم فسأل: من هذا؟ قالوا: هو نسّابة. فسأل صلى الله عليه وسلّم: ((وما نسّابة؟)) فقالوا له أنه الذي يعرف ويخبر بانساب العرب، فقال صلى الله عليه وسلم عن هذا العلم أنه:(( لا ينفع العلم به، ولا يضر الجهل به)).
هي حكمة، وقاعدة عامة لنا من رسول الله صلى الله عليه وسلم توجهنا في اختيارنا لما نقبل عليه من العلم.
 
ثم تأملت في الأوقات التي نقضيها في الشبكة، وتساءلت في نفسي: أيمكن أن ينطبق هذا الحديث على ما نقضي فيه يوميا من الساعات أمام شاشة الحاسوب؟ فإن اغلبنا للأسف لا يستثمر ميزة الشبكة في الازدياد من علم ينفع، أو في نشره، وإنما أغلب الوقت نمضيه إما في التصفح العام بلا هدف معين، مجرد إرضاء لفضول والاطلاع على آخر الأخبار أو الأزياء أو المنتجات، أو في قراءة المئات من الرسائل التي أقل ما يقال في وصفها أنها من قبيل ما لا ينفع العلم به ولا يضر الجهل به.
ثم يضاف عليه ما يتم تداوله بكثرة في الرسائل من أخبار زائفة وإشاعات محيرة، إما عن أمراض تسببها المطاعم الفلانية، أو سموم في المنتج الفلاني، الخ... معلومات اختلط فيها الصدق والكذب حتى فقدت الرسائل مصداقيتها كمصدر موثوق للمعلومة.
 
من نظر في نصوص الدين يجد انه يحثنا على عدم نقل المعلومة ما لم نتيقن من صحتها، منها:
 
قوله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَىٰ مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ (6)
 
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: كَفَى بِالْمَرْءِ كَذِبًا أَنْ يُحَدِّثَ بِكُلِّ مَا سَمِعَ أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ
 
وعن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرا أو ليصمت، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم جاره، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه رواه البخاري ومسلم.

هذا الحديث أدب من الآداب العظيمة، وهو صنو حديث: من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه من جهة أنه أصل في الآداب العامة، وهذا الحديث دل على أن من صفات المؤمن بالله وباليوم الآخر، الذي يخاف الله ويتقيه، ويخاف ما يحصل له في اليوم الآخر، ويرجو أن يكون ناجيا في اليوم الآخر، أن من صفاته أنه يقول الخير أو يصمت.

 وقد قال -جل وعلا-: لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ .

فهذا الحديث فيه: فليقل خيرا   إذن فقول الخير متعلق بالثلاثة التي في آية النساء قال: إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ فالصدقة واضحة والإصلاح أيضا واضح، والمعروف هو ما عرف حسنه في الشريعة، ويدخل في ذلك جميع الأمر بالواجبات والمستحبات، وجميع النهي عن المحرمات والمكروهات، وتعليم العلم والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر. .. إلخ.

فإذن  ما خرج عن هذه فإنه ليس فيها خير، وقد تكون من المباحة، وقد تكون من المكروهة، وإذا كان كذلك فالاختيار أن يصمت.

لا شك أن الواحد منا في بداية تعرفه على الشبكة  يؤخذ بسحرها وبضخامة المعلومات المتوفرة وسهولة تناولها، ويصير كالطفل في محل الألعاب يتنقل من صفحة إلى صفحة، لا يدري أين يبدأ ولا ما يختار.. لكن بعد أن يأخذ الإعجاب الأولي وقته، وتهدأ النفس وتستقر من هول المفاجأة ينبغي أن يستعيد الإنسان اتزانه، ويأخذ خطوة للوراء يقيّم فيها الوضع في تعامله مع الشبكة عن بُعد:

ما الذي يريده منها؟ وما هي أولوياته؟ ما الذي يناسبه وما الذي ينفعه؟

ثم يبدأ باتخاذ بعض القرارات في تعامله مع هذه الخدمة، من صفحات أو رسائل، فيعلم أنه مسئول عما يقرأ، وما يرسل، وما يقضي وقته فيه، وأنه يملك الاختيار، وليس مجبرا على قراءة كل ما يرسل إليه... بل يستخدم زر [الحذف] كما يستخدم زر [الحفظ] !!!

اللهم علّمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علّمتنا، وزدنا علما.

السبت

قرآنيات: آمنا به وعليه توكلنا

يقول الله تعالى:
{قل هو الرحمن آمنا به وعليه توكلنا}
 
قدم الفعل في (آمنا) على الجار والمجرور، لأن الايمان لا ينحصر بالله؛ بل لا بد معه من الإيمان برسله وملائكته وكتبه وغيره مما يتوقف صحة الإيمان عليه.
بخلاف التوكل فإنه لا يكون إلا على الله وحده فقدم الجار والمجرور على الفعل في (عليه توكلنا)  ليفيد الحصر.



موانع تحجب القلب عن تدبر القرآن


{ وَإِذَا قَرَأْتَ ٱلْقُرآنَ جَعَلْنَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ ٱلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِٱلآخِرَةِ حِجَاباً مَّسْتُوراً }

أي أدخلناك في إيواءِ حفِظْنَا، وضربنا عليك سرادقاتِ عصمتنا، ومنعنا الأيدي الخاطئةَ عنك بلطفنا. وهذا التفسير يحمل على ما روى أنها نزلت في أبى سفيان والنضير وأبى جهل وأم جميل امرأة أبى لهب كانوا يؤذون رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا قرأ القرآن فحجب الله أبصارهم إذا قرأ وكانوا يمرون به ولا يرونه.

 

قال ابن عجيبة

 

 اعلم أن القلب تحجبه عن تدبر كلام الله والتمتع بحلاوته أربعةُ حُجُب:

الأول: حجاب الكفر والشرك ويندفع بالإيمان والإسلام.
والثاني: حجاب المعاصي والذنوب، وينخرق بالتوبة والانقلاع.
والثالث: حجاب الانهماك في الحظوظ والشهوات واتباع الهوى، وينخرق بالزهد والورع والتعفف ونوع من الرياضة(الرياضة يعني التدريب).

والرابع: حجاب الغفلة والخوض فيما لا يعني، والاشتغال بالبطالة، وينخرق باليقظة والتوجه إلى الحق، والانقطاع إلى الله بكليته، فإذا انخرقت هذه الحجب عن القلب، تمتع بحلاوة القرآن ومناجاة الحق على نعت القرب والمراقبة.

 

وحجاب آخر قد يحذر منه الخواص من المؤمنين:

 

  حجاب حلاوة الطاعة والوقوف مع المقامات أو الكرامات، فإنها عند العارفين سموم قاتلة.(ومعنى ذلك أن الذي تذوق حلاوة الطاعة، أو لذة الكرامة والتأييد الرباني، وقف عنده، وصار يطلبه، وربما نسي أن المطلوب الأساسي وهو الله، وصار كأنه عبد الكرامة، أو اللذة التي يجنيها!! فتكون وبال عليه، وهذه عقبة من عقبات الطريق، وكل مستوى تختلف فتنته أو شهوته التي يختبره الله فيها)

 وقال الغزالي:

 الموانع التي تحجب القلب عن الفهم أربعة:

الأول: جعل الفهم مقصورًا على تحقيق الحروف؛ بإخراجها من مخارجها، فهذا يتولى حفظه شيطان وكُلِّ بالقراء، يصرفهم عن معاني كلام الله تعالى.

 

 والثاني: أن يكون مقلدًا لمذهب سمعه بالتقليد وجمد عليه(ليس المقصود مذهب فقهي، وإنما مذهب فكري في فهم الآية)، من غير وصول إليه ببصيرة.

 

 الثالث: أن يكون مصرًا على ذنب، أو متصفًا بكبر، أو مبتلى بهوى في الدنيا مطاع، فإن ذلك سبب ظلمة القلب، وهو كالخبءِ( يعني الغبار والغبش) على المرآة، فيمنع جلية الحق فيه، وهو أعظم حجب القلب، وبه حُجب الأكثرون،

 

 الرابع: أن يكون قد قرأ تفسيرًا ظاهرًا، واعتقد أنه لا معنى لكلمات القرآن إلاَّ ما يتأوّل عن ابن عباس، ومجاهد وغيرهما، وأن ما وراء ذلك تفسير بالرأي منهي عنه، فهذا أيضًا من الحجب العظيمة، فإن القرآن بحرٌ لا ساحل له، وهو مبذول لمن يغرف منه إلى يوم القيامة، كل على قدر سعته وصفاء قلبه.


الجمعة

الحجب التي تمنع القلب من تدبر كلام الله

أي أدخلناك في إيواءِ حفِظْنَا، وضربنا عليك سرادقاتِ عصمتنا، ومنعنا الأيدي الخاطئةَ عنك بلطفنا. وهذا التفسير يحمل على ما روى أنها نزلت في أبى سفيان والنضير وأبى جهل وأم جميل امرأة أبى لهب كانوا يؤذون رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا قرأ القرآن فحجب الله أبصارهم إذا قرأ وكانوا يمرون به ولا يرونه. 

{ وبين الذين لا يؤمنون بالآخرة } وهم كفار قريش وكانوا منكري البعث { حجابا } يحجبهم من أن يدركوك على ما أنت عليه من النبوة ويفهمون قدرك الجليل ولذلك اجترئوا على أن يقولوا إن تتبعون إلا رجلا مسحورا { مستورا }أي الحجاب مستور عن الحس، بمعنى أنه غير حسي وغير مشاهَد.

 

قال ابن عجيبة

  اعلم أن القلب تحجبه عن تدبر كلام الله والتمتع بحلاوته أربعةُ حُجُب:

الأول: حجاب الكفر والشرك ويندفع بالإيمان والإسلام.
والثاني: حجاب المعاصي والذنوب، وينخرق بالتوبة والانقلاع.
والثالث: حجاب الانهماك في الحظوظ والشهوات واتباع الهوى، وينخرق بالزهد والورع والتعفف ونوع من الرياضة(الرياضة يعني التدريب).
والرابع: حجاب الغفلة والخوض فيما لا يعني، والاشتغال بالبطالة، وينخرق باليقظة والتوجه إلى الحق، والانقطاع إلى الله بكليته، فإذا انخرقت هذه الحجب عن القلب، تمتع بحلاوة القرآن ومناجاة الحق على نعت القرب والمراقبة.

 

السبت

سنة الله في التدافع ونصرة من ينصره

[أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يعلم الله الذين جاهدوا منكم ويعلم الصابرين؟]
لن يحصل الثواب حتى يتم الابتلاء بالجهاد الأكبر... فيعلم الله الذين جاهدوا أنفسهم وشهواتهم..وجاهدوا في مقاومة المعاصي، ثم صبروا أنفسهم على الحق،والطاعة،والعبادة..وعلى أهل الحق والطاعة والعبادة.
تلك هي سنن الله في هذه الحياة الدنيا أن يكون التدافع ..تدافع بين قوى الخير والشر في البشر عموما، بل وفي نفس كل منا..ولولا هذا التدافع لغلب الفساد...
[ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض]
[ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لهدمت صوامع وبيع وصلوات ومساجد يذكر فيها اسم الله.ولينصرن الله من ينصره،إن الله لقوي عزيز]
فمن يجاهد في سبيل نصرة الله،على أعداء الله -من بشر أو نفس أو هوى أو دنيا أو شيطان-فليبشر بمجيء النصرة من القوي العزيز، وسوف يمدك يا مؤمن-إن ظهر إخلاصك في الطلب-سوف يمدك بالقوة،وسوف يجعل لك العزة والغلبة، فهو القوي العزيز..،ولسوف يعطيك ربك فترضى.

الجمعة

خواطر في سورة الأنفال آية 45-48

اليوم التفسير في قوله تعالى:

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُواْ وَاذْكُرُواْ اللّهَ كَثِيرًا لَّعَلَّكُمْ تُفْلَحُونَ 45 وَأَطِيعُواْ اللّهَ وَرَسُولَهُ وَلاَ تَنَازَعُواْ فَتَفْشَلُواْ وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُواْ إِنَّ اللّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ 46 وَلاَ تَكُونُواْ كَالَّذِينَ خَرَجُواْ مِن دِيَارِهِم بَطَرًا وَرِئَاء النَّاسِ وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللّهِ وَاللّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ 47 وَإِذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ وَقَالَ لاَ غَالِبَ لَكُمُ الْيَوْمَ مِنَ النَّاسِ وَإِنِّي جَارٌ لَّكُمْ فَلَمَّا تَرَاءتِ الْفِئَتَانِ نَكَصَ عَلَى عَقِبَيْهِ وَقَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِّنكُمْ إِنِّي أَرَى مَا لاَ تَرَوْنَ إِنِّيَ أَخَافُ اللّهَ وَاللّهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ 48
 
المعنى الأصلي في مفهوم اللقاء هو لقاء الجهاد بأنواعه، لكنه يصح في كل لقاء يتسم بالشدة أوالصعوبة في حياة كل من...أي شدة أو أي تحد نلقاه في مسيرتنا في الحياة الدنيا... فهي إذن آيات الخطا في هذه الحياة.. 
 
فلنتأمل فيها معا، وليساهم من يحب بخواطره مشكورا :
 
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُواْ وَاذْكُرُواْ اللّهَ كَثِيرًا لَّعَلَّكُمْ تُفْلَحُونَ 45
عند الشدائد أو مواقف الخوف أو الشدة فإن القلب لا يسكن بل يقلق ويضطرب، فأمَرَ الله تعالى المؤمنين بالذكر كي يثبّت اللسان القلب على اليقين، فالذكر تذكير له، والذكر سلاح المؤمن، والمؤمن إذا ذكر الله تعالى صار متّحدا متناغما مع الكون، ومتناسقا مسترسلا معه، لأن الكون كلّه في تسبيح متواصل ومستمر، و{إن من شيء إلا يسبح بحمده}.

وقد يصعب على الإنسان أن يستحضر ذكر الله تعالى وهو في غمار عمله ولو كان في سبيل الله، إذ كيف يتحقق له الذكر وهو مشغول بمدافعة عدو أو إنجاز مهام دعوية قد تحتاج منه منتهى التركيز والانغماس؟
والجواب: أن الذكر هنا يكون باستحضار النية وتجديدها قبل البدء بالعمل، ثم ابتداء العمل بالذكر باللسان، ثم-وهو في خضم العمل- يتحقق عنده الذكر حين يدفع العوارض والوساوس التي تواجهه وتعتريه في عمله.
 فقد يعتري المجاهد مثلا عارض بأن يقتل من سلْبه كبير فيربح منه، أو أن يقتل من يود الانتقام منه، أو تعتري العامل في سبيل الله حظوظ النفس أو طلب الشهرة، أو تعتري المصاب بشدة أو مرض المخاوف أو سوء الظن الله الخ، ..فهنا يكون ذكره لله تعالى على هيئة دفع تلك العوارض ونفي تلك الوساوس والعودة بالنفس إلى رحاب مرضاة الله تعالى.
 
وَأَطِيعُواْ اللّهَ وَرَسُولَهُ وَلاَ تَنَازَعُواْ فَتَفْشَلُواْ وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُواْ إِنَّ اللّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ 46
والثبات لا يكون إلا على طاعة الله ورسوله، وإلا كان ثباتا على غير سبيل الحق، فيلزم من تحقق الثبات العلم بما يحقق طاعة الله ورسوله، إذ كيف أطيع دون معرفة الأوامر والنواهي؟ وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب.
ومن ألزم لوازم العمل في سبيل الله -أو مطلق السعي في هذه الدنيا- أن يحدث الخلاف، إذ الواحد منا يعيش في مجتمعه، ولا مفر من تباين الآراء وحصول الخلاف..
فإن كان المؤمن -أثناء سعيه في حياته- مجددا النية، مستحضرا لذكر الله في قلبه، سلِم من النزاع، لحصول "الذكر" واستحضار معنى الإخلاص في العمل لله، ودفع عوارض حظوظ النفس...
أما إذا حصل الخلاف في غفلة عن ذكر الله فحينئذ وقع النزاع، وحصل الفشل في الامتحان، أو الفشل في الثبات في الأزمة أو الشدة، فتذهب ريح النصرعن جماعة المؤمنين أو تذهب ريح التوفيق والبركة عن المؤمن في سعيه..
فاثبتوا أيها المؤمنون على ذكر الله، والطاعة لله ورسوله، وانبذوا الخلاف، واصبروا على ذلك كله فيحصل لكم الفلاح، واعلموا أن الله مع الصابرين.
 
وَلاَ تَكُونُواْ كَالَّذِينَ خَرَجُواْ مِن دِيَارِهِم بَطَرًا وَرِئَاء النَّاسِ وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللّهِ وَاللّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ 47
وإذا سعيت يا مؤمن في الدنيا أو في جهادك أو دعوتك، فاحرص أن لا يكون سعيك وحركتك في الدنيا بطرا أو حبا للمظاهر أورياءا، واحذر أن ترتكب في سعيك من الأعمال ما يعتبر صدا عن سبيل الله، فكل ما لا يرضاه الله هو صد عن سبيله بحسب درجة الفعل، وكن على يقين بأن الله محيطٌ بسرك وجهرك.
والساعي بالبطر هو الغافل عن ذكر الله، الذي يرى نفسه في ماله وقوته المادية ويعتمد عليها، ولا يرى فيها قدرة الله وعطاءه وتمكينه له... فهذا ينازع الله تعالى في سلطانه، ولا بد من أن يمتحنه الله ويكسر شوكته كما كسر شوكة قريش حينما جاؤوا بسلطانهم وكبرهم.
 
وَإِذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ وَقَالَ لاَ غَالِبَ لَكُمُ الْيَوْمَ مِنَ النَّاسِ وَإِنِّي جَارٌ لَّكُمْ فَلَمَّا تَرَاءتِ الْفِئَتَانِ نَكَصَ عَلَى عَقِبَيْهِ وَقَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِّنكُمْ إِنِّي أَرَى مَا لاَ تَرَوْنَ إِنِّيَ أَخَافُ اللّهَ وَاللّهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ 48
ولا تخلو محنة أو معركة  أو سعي يسعى فيه المؤمن إلا ويشارك فيه الشيطان وجنده بوساوسهم... ووسواسهم وإغراءهم يكون على أحد وجهين: اما أن يشجعه في غَيّ وجده عليه، أو يخذله عن خير يريده...
فإذا حانت لحظة الحقيقة - عندما يواجه الفاعل عواقب فعله إما في الدنيا أو في الآخرة عند لقاء الله - تبرأ الشيطان ونكص وترك ابن آدم بلا نصير ولا ظهير، وتلك هي سنة إبليس وجنده من الجن والإنس.
ولا شيء أغيظ لهم من حصول "الذكر" عند المؤمن، وتنزل رحمة الله تعالى على المؤمنين...
لذا قال صلى الله عليه وسلم:((ما رُئِيَ الشيطان يوماً هو فيهِ أصغرُ، ولا أَدْحَر، ولا أَحْقَر، ولا أَغْيَظْ منه في يومُ عرفة، وما ذلك إلاَّ لِما رَأَى من تَنَزُّل الرَّحمة إلاَّ ما أُرِيَ يوم بَدْرٍ)) لأنَّهُ رَأى النَّصر المُبين، وهذا لا شكَّ أنَّهُ يَغِيظُهُ لما رَأَى من نَصْر ((قيل: وما رَأَى يوم بدرٍ يا رسُول الله؟ قال: أَمَا إنَّهُ قد رَأَى جِبريل يَزَعُ الملائكة))، أي يصُفُّهُم، ويرَتِّبُهُم، يُقدِّم ويُؤخِّر، وإذا حَضَر الملائكة، حضر النَّصْرُ معهُم،
 
فأشد الموقفين غيظاً للشيطان هما يوم بدر، ويليه يوم عرفة..
بلغنا الله تعالى وإياكم ذلك اليوم الفضيل، وأذاقنا رحماته، وأغاظ الشيطان ودحره وخيّب سعيه.


فبذلك تكون القوانين المستنبطه من النص:
عند لقاء اي فثه سواء حرب أو عمل أو حاسد حاقد، أو ابتلاء يمر بالمؤمن:
1- الثبات
2- الذكر
3- طاعة الله ورسوله، فهو الميزان الذي نقيس فيه وهو وضوح الرؤية والرسالة باتخاذنا دين الله منهج ومنار.
4- نبذ الخلاف باستحضار الإخلاص.
5- الصبر أهم زاد للحفاظ على الوحدة.
6- تصحيح النيه والتخلية من الرياء وحظوظ النفس.
7- توخي الحذر من العدو الأكبر وهو الشيطان وجنده من الجن والإنس.
8- جهاد النفس.





الأحد

صديق الصدق

قال الإمام الشافعي:(الحر من راعى وداد لحظة، أو انتمى لمن أفاده لحظة)
وأنشد مخارق للمأمون هذا البيت لأبي العتاهية:
وإني لمحتاج إلى ظل صاحب ** يروق ويصفو إن كدرت عليه
فقال له المأمون: أعد، فأعاد، حتى أعاد سبع مرات، ثم قال له: "يا مخارق، خذ مني الخلافة وأعطني هذا الصاحب!"
إن صديق الصدق من كان معك** ومن يضر نفسه لينفعك
ومن إذا ريب الزمان صدعك**شتت فيك شمله ليجمعك.

السبت

إن سعيكم لشتى

من جرب الكمبيوتر فقد جرب كيف يبدأ الجهاز سريعا وخفيفا في أداءه أول
شراءه، ثم، مع الوقت، ومع تحميل البرامج المتعددة وكثرة الاستخدام، يثقل،
ويتباطأ... وإذا أكثرنا من فتح نوافذ عرض فيه قد يعلق ويتطلب "إعادة
تشغيل" .. ثم، إن لم نتداركه بصيانة دورية، فسوف يتعطل..
فإذا تعطل، فإن الشركة المصنعة توفر مع الجهاز قرص يمكن بواسطته استعادة
نظام برمجة الجهاز إلى ما كانت عليه وقت الشراء، فترجع للجهاز خفته
وسرعته، وقدرته على الأداء والعطاء...
وكذلك الإنسان...
يكون صافي الذهن، خفيف القلب، فتتنازعه الأهواء والأشغال والشهوات
والأفكار والمشاعر... فيثقل عن الطاعة ويتشتت قلبه ويزدحم ذهنه،، فإن نجح
في أن يحقق لحظات انفصال أثناء أداءه لصلاته، كانت له بمثابة الصيانة
اليومية لأجهزته، مصدقها قوله - صلى الله عليه وسلم- (أرحنا بها يا
بلال)... وإن أحسن استغلال رمضان، كان ذلك بمثابة العناية الدورية
والتحديث لنظامه وكأنه أعاد تشغيله...
ثم قد وفر الخالق له برنامج مكثف يتيح له إعادة تجديد نظامه كيوم ولدته
أمه... ذلك هو الحج.

العبادات... اليومية والدورية، بمثابة دعوات ربانية من البارئ لإعادة
برمجة حياتنا،،، فرصة لغلق النوافذ الإضافية في حياتنا،،، وإعادة النظر
فيها، ومن ثم اختيار تشغيل ما ينفع، وحذف ما يضر أو يثقل أو يعطل..

قال تعالى في محكم كتابه:{ألهاكم التكاثر}..

‏الكثرة تلهي، تشغل، تثقل، تعطل، تخل بالتوازن،

الكثرة في الكلام، في الأكل، في الشهوة، في المال، في المادة، في
العلاقات، في المشاعر، في التفكير..

لنعد النظر..قبل زيارة القبر.
الله تعالى امتدح أمة محمد بأنها أمة وسطا، وأمرنا الله تعالى بإقامة
الميزان: {والسماء رفعها ووضع الميزان، ألا تطغوا في الميزان، وأقيموا
الوزن بالقسط ولا تخسروا الميزان}
القسط يحل محل الكثرة... القسط في الكلام، في الفعل والانفعال، في الأخذ والعطاء.
إذا تحقق "القسط" حل في نفس المؤمن وذهنه الاتزان، واتضحت له الصورة
لحياته، وبرزت الأولويات، وهان عليه اداء الواجبات، تخلص من حال الشتات،
وتحقق له الرضا عن الذات
وقد بيّن الله تعالى لنا حال الرضى التي يكون عليها المؤمن إذا اتزن
واعتدل في قوله تعالى:
لكي لا تأسوا على ما فاتكم، ولا تفرحوا بما آتاكم، والله لا يحب كل مختال فخور}}
هي حال يكون المؤمن فيها ساكن إلى حكم الله تعالى في جميع أمره... لا
يحزن على ما فات ... لا يركن ولا يفخر بآت... لا يقلق من غيب... يعيش
لحظته في ثقة ويقين بلا ريب ...

الاثنين

مفهوم "حق اللحظة الحاضرة" في سورة الأنفال


أتمت معلمتنا حديثها في أحداث معركة بدر، وكيف أن الله تعالى قد أخبر رسوله صلى الله عليه وسلم بأحداث المعركة وبشره بنتائجها قبل قيام المعركة، حتى أنه صلى الله عليه وسلم سار مع الصحابة قبل المعركة، وأشار للصحابة بمصارع الكفار، وحدد موضع مصرع كل منهم، وكان كما قال صلى الله عليه وسلم.

إلا أنه رغم علمه بذل جهده في الاستعداد للمعركة، واختيار الموضع وتنظيم الجيش، وتنسيق الأوامر. ثم دخل خيمته، وجلس يدعو ويتضرع ويرجو الله تعالى، وكأنه لا يعلم النتيجة!! حتى إن أبا بكر الصديق رضي الله عنه أشفق عليه، وطمأنه وطلب منه أن يهدئ من روعه فإن الله ناصره!

ثم تذكرت كيف أنه صلى الله عليه وسلم بشر أهل بدر بالجنة، وأنهم لن يضرهم ما عملوا من بعد بدر!
وتذكرت كيف أنه صلى الله عليه وسلم كان يقوم الليل حتى تتفطر قدماه، وقد غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر.

فقلت في نفسي: هذا كله إن دل على شيء، فإنما يدل على أن المطلوب منا في سعينا في هذه الحياة أن لا نتعدى لحظتنا الحاضرة، وأن نعطيها كل حقها. ألا نشغل أنفسنا بحزن على ماض، ولا قلق أو اتكال على آت. فالمؤمن "ابن وقته"، منشغل بحق وقته، حتى أنها لو حضرته الساعة وفي يده فسيلة فإنه مأمور بزرعها، رغم علمه بأنها ستزول بعد لحظات، لكنه غير مسئول إلا عن اللحظة التي هو فيها!

الله تعالى بشر رسوله صلى الله عليه وسلم بالنصر والدرجات العلى من الجنة، وبشر بها أهل بدر، وغيرهم من الصحابة، ولم يفكر واحد منهم أن يتكل على هذا الضمان، رغم أنه ضمان وتأمين إلهي، ولا ضمان فوقه، ولا تأمين مثله! بل إن عمر بن الخطاب رضي الله عنه كان يسأل حذيفة بن اليمان خشية أن يكون قد ذكره الرسول صلى الله عليه وسلم ضمن المنافقين!!

ترى لو ضمن الواحد منا حسن ختامه، أكان يعطي لحظته حقها كما أعطوها؟

ليتنا نتعلم كيف نوقف قطار أفكارنا، ونحفظ طاقتنا من أن تتبدد فيما قضى الله أو فيما ضمن.

إنها دعوة لنتعلم كيف نعطي اللحظة حقها وطاقتها.. لنتعلم كيف نكون "أبناء وقتنا”.

الجمعة

فلسفة النوم في سورة الأنفال

       اليوم حضرت درسا في تفسير سورة الأنفال. بدأ الحديث في تفسير قوله تعالى {وإذ يغشيكم النعاس أمنة منه}فاستشعرت نعمة النوم، وكيف منَ الله تعالى بذلك النعاس على الصحابة يوم بدر، ليربط به على قلوبهم، ويسكن نفوسهم من قلقها.

ثم علقت إحدى الأخوات عن تقرير قالت فيه أن أحد العلماء كان في يجلس في غرف الإنعاش يراقب الذبذبات الجسدية للمرضى، فلاحظ أن المريض إذا مات توقفت ذبذباته الجسدية. ولاحظ ان الأمر نفسه بالنسبة للنائم، ولكنه ما إن يفيق النائم حتى ترجع تلك الذبذبات للعمل من جديد. فلما ذكر له قوله تعالى :{الله يتوفى الأنفس حين موتها، والتي لم تمت في منامها} دهش منها واستغرب.

 

فقلت في نفسي: ما ألطف ربي. يمن الله تعالى علينا بنعمة النعاس الذي يغشى النفس قبل النوم، فتهدأ به وتسكن من قلقها وصخب نهارها وزحمته، فيسكن الجسد، وتتوقف ذبذباته ونشاطه، وتبدأ الروح في انطلاقها، بعد أن كانت محبوسة طيلة النهار بذلك الجسد وأنانيته.

 وكلما كان انشغال الإنسان بالجسد أكثر،  نجده بحاجة أكثر للنوم. ذلك لأن روحه تئن من ثقل الجسد ومن طول الحبس... بينما كثيرا ما قرأنا عن الصحابة والصالحين والعلماء كيف أن الواحد منهم كان لا ينام، وربما يغفو وهو جالس ثم يقوم وهو منتش نشط، فنظن في أنفسنا أن ذلك أنما هو من قبيل مبالغات التاريخ .. لكن من تأمل في حقيقة النوم وعلاقته بالروح والجسد اتضحت له الصورةفمن كان جل نهاره مسخرا في خدمة الروح، ولو على حساب الجسد، فما حاجة روحه لنوم الجسد؟ فروحه حرة، طليقة، أميرة حتى اثناء يقظته !!  هي روح تشبعت عناية ورعاية، فسمت بصاحبها فوق المادة وحاجاتها، ورفعته إلى ملكوت الجنة الدنيوية التي لو عرفها الملوك لقاتلوه عليها.


ثم ذكرت معلمتنا نقطة أخرى في النوم، رمت بي إلى عالم آخر من التأمل في النوم وفلسفته.

قالت: "إن الجسد يحوي طاقة، وهذه الطاقة هي التي يستخدمها في حركاته ونشاطه اليومي، كما يحرق الكثير منها في التفكير والقلق والنشاط الذهني. وطالما هو مستيقظ فإن أجزاء من هذه الطاقة تتبدد لا محالة، إن كثرت أو قلت. فتأتي نعمة النوم لذلك الجسد، ففي النوم يقوم الجسد بالعملية العكسية، وهي أنه يحتفظ بالطاقة في الداخل، ويخزنها، حتى أننا نجد من كان عنده فائض من الطاقة في جسده فإن جسده يتعرق في نومه ليتخلص من ذلك الفائض منها


      الله تعالى لما انعم على الصحابة بذلك النعاس ليلة بدر، فقد حفظ لهم طاقتهم بلطفه. حفظها من أن تتبدد طوال الليل في القلق والخوف والترقب. فقاموا من نومهم بكامل طاقاتهم، مستعدون كأفضل ما يكون الاستعداد البشري. ثم أنزل عليهم الأمطار ليطهر أجسامهم وينعشها، ويطهر أرواحهم من رجس الشيطان ووساوسه، وليثبت به الأقدام.


    على روعة هذا الكلام بحد ذاته، إلا  أني لم أتمالك ذهني وبدأت بالتأمل.. فقلت في نفسي: "إذا كان للجسد طاقة، وببذل الجهد تبدد هذه الطاقة، فينقص مخزون مصدرها، فهي بهذا النقص، إما أن يشعر صاحبها بالراحة، وذلك إن كانت تلك الطاقة سلبية وقد تخلص منها، أو كانت إيجابية من النوع الذي يرتاح ببذله

وإما أن ذلك الفقد سوف يوهن صاحبه، وذلك إن كان بحاجة لتلك الطاقة في عمل آت. ففي هذه الحالة سوف يؤثر النقص حتما في إنتاجيته ما لم يسعف صاحبه نفسه بالتجديد وإعادة التخزين..

ثم قلت: إذا كان هذا حال الجسد، فلا بد أن للذهن كذلك طاقة مثل تلك الطاقة التي في الجسد. وتلك الطاقة الذهنية تتبدد عند التحدث وإخراج ما في النفس أو التعبير عما في الذهن. وهي إذاتبددت، فإما أن توفر لصاحبها الراحة بحصول التنفيس وخروج ما في الذهن من طاقة فائضة، وفي نفس الوقت ينتفع من حوله بتلك الطاقة. وإما أنها إذا تبددت أوهنت صاحبها، واستنفذت من عزيمته، وذلك إن كان ذهنه بحاجة إلى تلك الطاقة المتسربة. فتذكرت بعض أقوال النبي صلى الله عليه وسلم، ووضعتها في سياق هذه الفكرة.

تأملوا معي قوله صلى الله عليه وسلم:(استعينوا على قضاء حوائجكم بالكتمان)

كم منا حصل له ان تحدث وأفصح عن خطط أو نوايا في نفسه وأسهب في الحديث عنها، ثم وجد أن عزيمته مع الوقت قد خارت، ونشاطه في اتجاه ما كان يصبو إليه قل؟ حتى أن الكثير منا في نفسه أحيانا يتجنب الحديث عن مشروع في ذهنه خشية أن يفقده لكثرة تجاربنا في ذلك. قد لا نعلم سر ما نشهده، وقد نؤوله بحسد النفس.. لكن لما لا يكون تفسير ذلك أنها طاقة تبددت فأوهنت العزم؟ فتكون نصيحته صلى الله عليه وسلم من قبيل حفظ الطاقة للقيام بالحاجة؟

ثم في المقابل لنتأمل أحاديث الرسول الكثيرة التي تحثنا على بذل العلم، وأن من يبذله يزيده الله منه، فتلك تكون الطاقة الإيجابية الفائضة، تتجدد في صاحبها إذا بذلها، فيا له من خالق كريم لطيف خبير.


عرضت هذا التأمل على زميلتي في المدونة "زبيدة" فأضافت التعليق التالي:

"إذا كانت هناك كلمات توهن الطاقة الذهنية، واخرى تعززها وتنميها، فلا بد ان للصمت في حد ذاته قوة مهولة ندرك بعد عمق تأثيره!!."


فأجبت:

لعلنا ندرك قوة الصمت الكامنة إذا تأملنا في قوله تعالى:{فقولي إني نذرت للرحمن صوما فلن أكلم اليوم إنسيا.}..هي عبادة "الصوم عن الكلام". كانت عبادة الأمم من قبلنا، أمر الله بها مريم للأمن من خوفها، وأمر بها سيدنا زكريا عليه السلام شكرا لنعمة الولد... الصمت للأمن، والشكر... أين السر؟



الأحد

مناجاة في الحياء

من رؤية الآلاء وشهود التقصير، يتولد الحياء، فيبعث على ترك القبائح، ويردع عن التفريط في الطاعات، فيمتزج التعظيم بالمودة.
قال تعالى: {ألم يعلم بأن الله يرى}؟(العلق14).
وقال سبحانه: {ما لكم لا ترجون لله وقارا}؟(نوح13).
يا رباه! ...واخجلي منك. أرغمت لك ناصيتي أطلب العفو منك. كيف أعصاك وأنت تراني؟ وكيف ألقاك وهذا حالي؟
يا عالم خائنة الأعين وما تخفي الصدور... يا شاهدا على جهلي والقصور... يا ساترا فعلي والظنون..
إن شكرتك أو استغفرتك فهذا عطائك، وإن صليت أو تصدقت فهذا فضلك، وإن تفكرت أو اتعظت فهذا هديك..
الحياء يلفني من رأس لساق.. ولكن طمعي سبق حيائي... إذ لجنانك تاق، ولرؤياك اشتاق!